Make your own free website on Tripod.com

 

دمعة الحزن 

تأملات قرآنية في مضامين الحزن والبكاء

 

الفلسفة النفسية للدمعة  

 

يمكن لنا أن نعرف بعضا من حقيقة البكاء حين نقارنه بأضداده ، فهي تعد أشبه بمرآة جلية له .. على ذلك فإننا لو قارنا البكاء بالضحك ، لوجدنا أن الأخير ما هو إلا إظهار لحالة الترفيه عند الإنسان ، فهو ترويح عن النفس لا أكثر ، وقد أشار إلى ذلك الإمام علي "ع" في قوله : " إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم ".

بل قد يستشعر في بعض الأحيان أن الضحك يتجه سلبا إلى أكثر من ذلك، حيث يكون تعبيرا عن حالة اللاأبالية والفوضوية .

أما البكاء فهو على الطرف النقيض تماما لمثل تلك المعاني ، إذ أنه يعبر عن تضامن مع ما يبكى عليه وأيمان صادق به .. فكلما تعاظم ولاء الإنسان لشيء ونما إيمانه به ، كلما ازداد اندفاعه العاطفي نحوه وعظمت رغبته إليه ، وإذا استرسل في ذلك الاندفاع واسترسل تجلى اندفاعه في شكل بكاء ، فالبكاء بذلك أعلى مراتب الاندفاع والهيجان العاطفي الصادق ، لا الاندفاع الهامشي الهجين .

فعلى ذلك يكون البكاء نوعا من الولاء والتضامن مع ما يبكى عليه ، وهذا تماما ما أشارت إليه الآية القرآنية المباركة:

( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدا وبكيا )[58 مريم]

فهذه الآية تتحدث بصورة واضحة عن قمة الولاء عند الإنسان المؤمن تجاه آيات الرحمن، وذلك أن المؤمن يتصاعد ولاؤه ويتعاظم تصديقه عند استماعه أو تلاوته لتلك الآيات، إلى أن يصل إلى القمة فيتجلى بكاؤه في صورة بكاء.

وذلك تماما على العكس من الضحك، إذ أن الضحك عند الاستماع إلى الآيات ما هو إلا  تعبير عن اللاأبالية.. ولذا فإن الآيات القرآنية حين أثنت على حالة البكاء تلك، فإنها في  نفس الوقت ذمّت حالة الضحك، فقد قال تعالى:

(فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون).

كل ذلك من جهة واحدة ترتبط بالفلسفة النفسية للبكاء، وقد تمثلت في الأثر الخارجي له، وأما الجهة الفلسفية الثانية التي تمثل الأثر الداخلي للبكاء، فغايتها أن للبكاء أثرا إيجابيا على نفسية الإنسان، لما يقوم به من دور في تنظيف أدرانها وشوائبها.. وذلك تماما عكس ما يصنعه الضحك، فهو إذا تجاوز عن حده أثر سلبا على نفسية الإنسان، ولذا عرضت به الروايات، فقد قال رسول الله "ص": " إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب".

وقال الإمام علي " ع ": " من كثر ضحكه مات قلبه".

أما البكاء فهو يؤثر تأثيرا إيجابيا على نفسية الإنسان، وقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذا المعنى حيث قال تعالى:

( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ).

فالبكاء كما هو صريح هذه الآية الشريفة يزيد الإنسان خشوعا وإيمانا، وزيادة الإيمان تعني التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل.

وقد تظافرت الروايات في تأكيد هذا المعنى الذي أشارت إليه الآية، من ذلك ما ورد عن الإمام علي "ع": " البكاء من خشية الله ينير القلب ويعصم من معاودة الذنب ".

ولأن للبكاء هذا الأثر الإيجابي العظيم ، نجد الإمام الصادق "ع" يدعو له أو لما هو أدنى منه وهو التباكي ويحث عليه بشدة، فقد قال: " إن لم يجئك البكاء فتباك، فإن خرج منك مثل رأس الذباب فبخ بخ ".

على ذلك فإن للبكاء آثارا إيجابية تنعكس على نفسية الإنسان، وهي بعينها الفلسفة النفسية للبكاء، ومؤداها أن البكاء إظهار لحالة ولائية منبعثة من داخل الإنسان تجاه قيمة نبيلة أو رمز عظيم، بالإضافة لما له من دور في تزكية النفس وطهارتها..

إن هذا هو عين ما نعتقده فيما يتصل ببكائنا على الإمام الحسين "ع"، فنحن عندما نبكي إنما في الحقيقة نعلن ولاءنا المطلق والعميق للإمام الحسين "ع" وللقيم العظيمة التي حملها ونادى بها من خلال نهضته المباركة في كربلاء، والتي لخصها في وصيته التي كتبها لأخيه محمد بن الحنفية، وقد جاء فيها: " وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي ".

الفلسفة الاجتماعية للدمعة  

 

      إن الفلسفة النفسية تعني في الحقيقة الفوائد التي تعود على الإنسان من خلال البكاء، أما الفلسفة الاجتماعية فهي الآثار التي تعود على النهضة نفسها بفعل البكاء

      إننا وحتى نقترب أكثر من هذه الفلسفة، يستحسن بنا المرور وبشيء من التأمل على تجربة البكاء عند نبي الله يعقوب(ع)، فهي صورة مثلى لما نريد التوصل إليه تماما.. يقول تعالى في هذا الشأن:

      ( وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين، قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ).

      إن هذه الآيات تبين بالتفصيل مستوى ذلك البكاء وحجم الحزن الذي سيطر على يعقوب(ع).. إذ ابيضت عيناه من كثرة البكاء، أي أصيب بالعمى، فقد جاء عن مقاتل أنه عمي ست سنين، وقد رافق ذلك البكاء حزن طويل (فهو كظيم)، أي مليء من الهم والحزن ممسك للغيظ لا يشكوه لأهل زمانه ولا يظهره بسانه.

      وقد بلغ من حزنه وبكائه أن المحيطين به ضاقوا به ذرعا، فقالوا لا تزال تذكر يوسف (حتى تكون حرضا) فاسد العقل أو مشارفا على الموت، (أو تكون من الهالكين) الميتين.. وإنما قالوا ذلك لتبرمهم من بكائه أو لإشفاقهم عليه، وهذا يعني أنه (ع) صنع قضية من خلال بكائه على ابنه.

      إنه فعلا بكاء مر وحزن طويل لدرجة حين سئل عنه الصادق(ع)، حيث قيل له: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين حرى ثكلى.

      والملفت للانتباه هنا أن يعقوب(ع) كان يعلم بأن يوسف على قيد الحياة، ومع ذلك بكى هذا البكاء الطويل والمر.. فقد روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن حسان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر الباقر(ع) قال: قلت له: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) أكان علم أنه حي وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من البكاء عليه، قال (ع): نعم علم أنه حي حتى أنه دعا ربه في السحر أن يهبط عليه ملك الموت في أطيب رائحة وأحسن صورة فقال له من أنت؟ قال: أنا ملك الموت أليس سالت الله أن ينزلني عليك؟ قال: نعم، قال: ما حاجتك يا يعقوب؟ قال له: أخبرني عن الأرواح تقبضها جملة أم تفريقا ؟ قال: يقبضها أعواني متفرقة ثم تعرض علي مجتمعة.. قال يعقوب: فأسألك بإله إبراهيم واسحق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف؟ قال: لا، فعند ذلك علم أنه حي فقال لولده: اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.).

      فإذا كان نبي الله يعقوب(ع) عكف على هذا المستوى من البكاء مع أنه يعلم بوجود ابنه وأنه سيعود إليه، فلابد أن يكون هناك سبب لذلك.. وفعلا كان هناك سبب مهم بينته الآيات في صدر سورة يوسف(ع)، وهو الذي جاء على لسان أبناء يعقوب(اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم)..

      إن أخوة يوسف لما رأوا اهتمام أبوهم به، تآمروا عليه بهدف محو اسمه من ذاكرة أبيه بأي طريقة، إما عبر القتل (اقتلوا يوسف) أو تغييبه في أرض لا يقدر معه ا لعود إلى بيت أبيه(أو اطرحوه أرضا).. فكلمة يخل في قوله تعالى (يخل لكم وجه أبيكم) يستفاد منها أنهم كانوا يطمحون إلى إلغاء شخصية يوسف ونسفها من حياة يعقوب(ع) ل يصفوا لهم الجو، لكن حين أكثر يعقوب من البكاء على ابنه مدة عشرين سنة أفشل مؤامرتهم وحافظ على ذكر يوسف، بل تعاظم ذكره في الآفاق، لأنه صنع من اختفائه حدثا عظيما عبر البكاء.

      إن هذا تماما ما نعنيه من الفلسفة الاجتماعية للبكاء، وهو أيضا ما ينطبق على بكائنا على الحسين(ع)، إذ أن القوى المعادية للحسين(ع) كانت تهدف إلى محو ذكر أهل البيت(ع) وطمس أي أثر لهم، كما ظهر في تصريحاتهم المشهورة:

      " لا تبقوا لأهل هذا البيت من باقية "

      " لا والله إلا دفنا دفنا "

      ولهذا قالت الحوراء زينب(ع) لابن أخيها السجاد(ع) وهي على ظهر الناقة:

      " وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وطمسه...".

      وقالت مخاطبة يزيد في مجلسه:

      " فوالله لا  تمحو ذكرنا ولا  تميت وحينا...".

      فقد كان الأعداء يهدفون إلى طمس ذكر أهل البيت(ع)، وكان البكاء هو الوسيلة المناسبة التي تحافظ على ذلك الذكر عبر الأجيال، فهو أشبه بتحد لتلك القوى  وإصرار على التمسك بحبل أهل البيت وبقضيتهم مهما طال الزمان..

 

 

 

BACK TO CONTENTS                                                                                                       SEND A COMMENT

 

 

 

 

Resource : http://www.qateefiat.com/qa/maqalat/damah%2014.htm