Make your own free website on Tripod.com

قـسـوة الـقـلـب

 

 

ما هي أسباب قسوة القلب؟

وكيف نعالج صاحب القلب القاسي؟

ربما تكون الإجابة على هذه التساؤلات لا تتعدى بضع سطور أو بضع كلمات، ناتجة عن حفظ لبعض الروايات، أو حفظ لبعض المواقف التي تعكس تجارب الإنسان في الحياة..

ليس المهم أن نحفظ كماً من الروايات والمواقف، كثيرة كانت هذه الروايات والمواقف أو قليلة بقدر ما هو الأهم من ذلك كله، وهو تجذّر الحالة الإسلامية الواعية في ضمير كل مسلم.

فقسوة القلب موضوع شائك، وله جذوره التربوية والاجتماعية، وهو سلوك منحرف عن الطبيعة السوية للإنسان، حيث تنحرف بالشخصية إلى زاوية تعاملية باردة لا مبالاة فيها بشعور الآخرين، أو تخلق جواً من العفن النفسي ـ إن صحّ التعبير ـ بسبب شعور الإنسان بكثير من الاضطرابات على مستويات عديدة.

ولكي نسيطر على الموضوع بصورة جادة وموضوعية لا بدّ أن نتحرك في ضمن النقاط التالية:  

أولاً: ما هي القسوة؟  

القسوة ـ كما فسرها اللغويون ـ الشدة والغلظة، وهذه الشدة والغلظة تتصاعد في منحنيات عديدة، فإنها تتصاعد نتيجة الخطأ التربوي، وتتصاعد نتيجة الأيديولوجيات الخاطئة، وتتصاعد نتيجة الاحباطات النفسية أو البيئية المحيطة بالإنسان، وتتصاعد نتيجة العوامل الاقتصادية ...

وقد عرضت القسوة في المنحى القـرآني بأنّه: غِلَظ القلب، ونرى هـذا الاستعمال بقوة في قوله تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )[1]. وقوله تعالى: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ )[2].

إنّ بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين تحركوا ضمن حدود جانبية فيما يتعلق بعلاقة القلب والقسوة، فالسيد عبد الحسين دستغيب ركز في صفات القسوة على جوانب[3]، وهي:

1 ـ القاسي هو الذي لا يخضع للحق ولا يخشع أمامه، أي لا يصبح ذليلاً منقاذاً له ومسلماً.

2 ـ لا يظهر عليه الخشوع أمام الحق.

3 ـ النصيحة والتحذير لا تتركان أثراً عليه.

4 ـ لا تؤثر فيه المشاهد التي تدعوا للرقة كتأوه المظلوم، أو شكوى اليتيم أو عجز الضعيف. بحيث يتصرف حيالها كمن لم يرَ ولم يسمع.

إلا أنّ هذا التحليل الذي جاء به السيد دستغيب تحليل استبطاني، إذ لا يكفي أن نتصور أنّ القسوة ذنب يتولد أثر تراكم المخالفات، أو طغيان الظلم على القلب. من دون أن ننظر إلى حيثياتها المرضية. إذ يقول ـ بعد ذلك ـ: « ويتبين بوضوح ـ بعد التدقيق في الآيات القرآنية الشريفة والروايات التي مرّ ذكرها ـ أنّ مرض القسوة ذنب للقلب الإنساني كبير، يستوجب التوبة الفورية، والسعي الحثيث في علاجه »[4].

ولا شكّ أنّ كلمة ( ذنب ) في المقام تحدث مضاعفات طولية وعرضية، تبعد بنا عن واقع السلوكية إلى تضخم الحدث، وبالتالي نقسر الإنسان إلى مواطن قد يرضخ لها شرعاً، ولكن لا يؤمن بها وجداناً، بسبب أنّ علاقته بالقسوة علاقته بالمصادمات القهرية.

فإننا لا نتكلم عن حيثيات اختيارية الإنسان للقسوة أو التكبر أو التجبر، وإن كنا لا نتعقل أنّ الإنسان يختار الطريق المظلم لأنّه مظلم، فالإمام الصادق (ع) يقول: « ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه »[5].

وفي رواية أخرى: « ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه »[6].

يريد الإمام الصادق (ع) أن يوضح الجذر المرضي لهذه الظاهرة المرضية الناجمة عن الإحساس بالذل والضعة والدونيّة، أو ما يسميه علماء النفس الشعور بالنقص، الذي يستدعي التعويض عند أمثال هؤلاء وليس هو هنا إلا التكبر والتجبر .. ولا نشك أنّ العوامل الناشئة إحدى الركائز الدخيلة في هذه الدونيّة.

ثم إنّ القسوة ليس لها مصطلح خاص في علم النفس، بل هي من إفرازات الشخصية السيكوباتية[7] التي تتميز بالانحراف الملحوظ في مشاعرها وميولها وأخلاقها، وهي شخصية يطبعها عدم الإحساس بالمسؤولية وعدم الاستبصار بنتائج الأمور، وعدم التأثر بالثواب والعقاب، مع ملاحظة أنها تظل محتفظة بقواها العقلية بنحو عام.

وهي تدخل ضمن السلوك العصابي، وهو مرض نفسي أو عصبي وظيفي ينطوي على مجموعة من الأعراض النفسية كالانفعالات المكبوتة والصدمات والصراع الداخلي.

والعصاب خلل أو اضطراب وظيفي يطرأ على الجهاز العصبي، تعوذ جذوره إلى منشأ نفسي .. والمصاب بهذا الخلل أو الاضطراب يعجز عن إدراك أسبابه الأصيلة الكامنة في نفسه.

ولقد برع الإمام الصادق (ع) في تقديم تصنيف دقيق قسّم فيه مفردات السلوك السوي قبال السلوك العصابي في قائمة ضمت خمساً وسبعين مفردة من أنماط السلوك، وقد وصفها الإمام (ع) بـ« جنود العقل وجنود الجهل »[8].

ومن تلك المفردات وردت مفردة القسوة قبال مفردة الرقة، وفي رواية أخرى الغلظة.

وأهم وأوسع السمات السلوكية التي عرضها الإمام الصادق (ع) إنما تنتسب إلى معيارين:  

القسوة ـ كما فسرها اللغويون ـ الشدة والغلظة، وهذه الشدة والغلظة

1 ـ معيار الحب:

كالمودة، والرأفة، والرفق، والعفو، والصفح، والإنصاف، والبر، .. وهذا المعيار لتحقيق التوازن الداخلي ومسح التوترات المختلفة التي تصيب الشخصية[9].

وهو خلاف ما يذهب إليه بعض علماء النفس كـ (كلاين) و (هورني) من أنّ الكراهية غريزة أساسية عند الإنسان.

2 ـ معيار التوافق الاجتماعي:

وهو تصدير الحب إلى الآخرين من خلال التفاعل الاجتماعي فيما يتحقق من خلال سلوك محدد، وهو التوافق مع الآخرين، أو التكليف الذي يأخذ أشكالاً متنوعة من السلوك.

والمشرّع الإسلامي يرسم المبادئ الرئيسية في التوافق الاجتماعي من أبعاد ثلاثة: (الأنا ـ الآخر ـ البيئة).

فـ (الأنا) أو ما يسميه الشهيد الصدر بـ (الحب الذاتي)، وهي عبارة عن التوجه إلى الحب الضروري .. فعندما أقول: « حبي لذاتي » لا أقصد منه الشعور بالتكبر ولأنانية، بل المقصود منه حب الذات المرتبط بـ (الآخر) وبـ (البيئة)، لأنه لا يمكن أن يكون معيار الحب إلا في معيار التوافق الاجتماعي، فحينما أحسّ بالجوع ـ مثلاً ـ أحسّ بالميل إلى الطعام، والطعام يجسد أحد مفردات البيئة الخارجية. وهذا يعني أنّ حبي لذاتي مرتبط بوجود الطعام، أفرغ فيه محتوى الحب، أي أنني: أحب الطعام.

وكذلك أيضاً أحب الآخر لأنه يحقق لي إشباعاً لحاجتي إلى الحب، وإلا إذا تصورت أنني موجود لوحدي، فأية ضرورة للذات أن تحب ذاتها، لأنه لا يوجد منبه تستجيب له الذات.

وعلى هذا يمكننا ملاحظة مدى تشدّد المشرع الإسلامي على تحقق وهيمنة ظاهرة التوافق الاجتماعي من خلال توصياته الصريحة:

« لا خير فيمن لا يؤلف ولا يألف »[10].

« إنّه لا بدّ لكم من الناس إنّ أحداً لا يستغني عن الناس في حياته .. والناس لا بدّ لبعضهم من بعض »[11].

ومن هنا لا ينبغي للمؤمن أن يتجاهل شخصية فرد من أفراد المؤمنين، لأنّ كل فرد في الأمة هو بناء لها ولمقوماتها، فليس لي الحق أن أحدد شخصيته وأقيسها بمنظور شخصي، وليس لي الحق أن ألغي دوره الرسالي في المجتمع لسلوك معين لم يحدد فيه الشرع والخلق بشيء، وليس لي الحق أنّ أعبر عن وجوده بالسطحية. فكل هذه الأمور لا تعطيني حقاً أن أمارس سلطة من السلطات على فرد من أفراد الأمة، فليس لي الحق أن أمارس لغة الحق معي فقط لأنها صورة من صور اللامبالاة مع الآخرين وتقليص وجودهم وشرعيتهم في بناء الأمة.

ثانياً: مظاهر القسوة:

ليس عندنا قسوة بالمعنى الدقيق، بل عندنا مظاهر للقسوة كالإصرار، والنزق غير المبرر، وعدم المرونة، … وتتطور إلى حالات وسمات نفسية عدوانية كالحقد، أو إلى سمات مزاجية كالانطواء.

وعلينا أن لا ننسى، بل نركز على أنّ مثل هذه المعايير ليست معايير ثابتة، بل هي معايير نسبية أو متحولة بسبب اختلاف النظم والعادات والأعراف والثقافات.

كما نريد أن نوجه تفكيركم إلى أنّ هناك فرقاً جوهرياً بين علم النفس الأرضي وطب النفس الإسلامي، فالأول يعطي اهتماماً لهوية الفرد، وأما الثاني فيشبه في ذلك ما يعالج في الطب الجسمي الإسلامي حيث تقدم توصياتها لمطلق الآدميين بغية الإفادة منها في تحقيق الصحة الجسمية. ومن هنا نلاحظ الإمام الرضا (ع) ـ وما يبلوره من توجيهات كمشرع إسلامي ـ وضع رسالته الذهبية في الطب الوقائي ليس إلا.

كذلك هو نفسه (ع) فيما يتصل بمبادئ الصحة النفسية مع دخالة زيادة وهي ترتب عنوان العقاب والثواب على بعض الممارسات، ففي حين أنّه يرتب عنوان العقاب على التكبر ـ مع كونه ظاهرة نفسية ذات طابع مرضي ـ نراه لا يرتب ذلك العنوان على الوسواس ـ مثلاً ـ.

ولا شك أن ذلك راجع إلى أنّ المصطلح الإسلامي في قراراته يشمل المفهوم الأرضي ويتجاوزه إلى مقررات خاضعة للثواب والعقاب، بينما علم النفس الأرضي لا يتكفل إلا بمفردات السلوك وتصنيفها من دون اتخاذ قرار في هذا الصدد، وقد يرجع هذا إلى أنّه علم وضعي، والعلوم الشرعية علوم معيارية.

ومن هنا ركّز المشرّع الإسلامي على جوانب الأولويات في النشأة، والبيتوتة، والمجتمع.

وجعل لبعض الأحكام طابعاً كفائياً في الوجوب، بحيث إذا لم يقم ما يسد هذا الوجوب أثم المجتمع كله إثماً شرعياً، لعدم قيام من يكتفى به لسد الخلل أو القيام بالمصلحة.

وربما يتوهم السامع إلى أنّ ما يقوم به علم النفس من علاجات للاضطراب السلوكي، أو للأمراض العصابية هي الأنجح حيث لم يتوفر ذلك في الشرع الإسلامي.

كلا، بل « نعتقد من زاوية إيمانية أولاً، وبحكم التجربة الشخصية المهنية، ومن خلال فشل المدارس النفسية، التي حاولت أن تعالج الأمراض العصابية والاضطرابات السلوكية من جهة كيميائية أو تحليلية نفسية دون الأخذ بتعاليم السماء، أن لا شفاء من القلق والخوف والإحباط النفسي وبقى ء الأمراض العصابية، والاضطرابات السلوكية بصورة جذرية إذا لم يلتزم كل مريض بشيئين: وصفة طبية دنيوية موقوتة المفعول من أهل الاختصاص في الأمراض النفسية، ووصفة روحية إيمانية هي الالتزام بتعاليم المـولى وهي وصفة جذرية الشفاء من قوله تعالى: ( فَمَنْ تَبِـعَ هُـدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )[12]… »[13].

ثالثاً: ما معنى القلب؟

لا يشك خبير أنّ القلب في الآيات القرآنية الكريمة وروايات أهل البيت (ع) ليس ذلك العضو اللحمي الصنوبري الشكل الموجود في الجانب الأيسر من الصدر، فإنّ المعنى القرآني يوجه معنى القلب إلى حقيقة سامية تختلف تمام الاختلاف عن وظائف هذا العضو العضلي.

فإنّ القرآن الكريم يتعامل مع مفردة القلب تارة في قضايا فكرية، كقوله تعالى ـ عندما يتحدث عن سلوك المنافقين ـ: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا )[14]، وفي هذا إشارة إلى مرض الفكر عند المنافق، إذ المنافق يصدر عن موقف فكري مناهض لرسالة الإسلام.

وتارة يتعامل القرآن مع مفردة القلب في قضايا نفسية، كما في قوله تعالى: ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )[15]، إشارة إلى كيفية أسلوب حديث المرأة، وأن يكون بعيداً عن الأساليب والعبارات المحركة للشهوة. وتوجه الآية فيما يتعلق بالمنحرفين جنسياً، وهو مصطلح نفسي.

يقول الرسول الأكرم (ص): « استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون »، فالقلب يرتبط مع الحسنات ويرتاح معها، ويضطرب وينزجر من السيئات والقبائح، فالرسول الأكرم (ص) يخاطب الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة بأن يوجّه نظره إلى قلبه الذي لا يخونه بل سوف يهديه إلى مسير الهداية والاستقامة.

وتأكيداً منه (ص) فإنّه يقول: « إنّ الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم »[16].

رابعاً: ما هي أسباب القسوة:

في التشريع الإسلامي كمّ من الروايات المهمة التي تبلور الأسباب التي تؤدي إلى قسوة القلب، وبُعده عن روح الفطرة الإنسانية، ومن هذه الأسباب:

1 ـ الاستجابة العصبية الشادة:

ولها عدة صور:

أ ـ كثرة الذنب:

يقول أمير المؤمنين (ع): « ما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب »[17].

ويصوّر لنا الإمام الباقر (ع) مثالاً حيوياً محسوساً لأثر الذنوب على الإنسان، فيقول: « ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غُطّي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجلّ: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[18] »[19].

فالشعور بالذنب يسبب الشعور بالنقص، لأنّ فطرته قد تلوثت بما يكدرها، ويشعره ذلك بالقلق أيضاً، مما يؤدي إلى نشوء أعراض من الأمراض النفسية.

ب ـ استماع اللهو:

حرّمت الشريعة الإسلامية الاستماع إلى الغناء الذي يجسد استجابة عصبية شاذة، مصدرها انفعال حاد فيما لا يتساوق مع التوازن الداخلي للشخصية، وهو توازن طالما يلحّ التشريع على تحقيقه.

ولنا أن نعرف أنّ هناك جذراً نفسياً لظاهرة الغناء قائمة على أسس توازنية، فالغناء ينمّي النزعة العدوانية عند الشخصية متمثلة في ظاهرة القسوة.

يقول الرسول الأكرم (ص): « ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو،…"[20].

ويقول (ص): « أربـع يفسدن القلب وينبتن النفـاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: استماع اللهو، ...»[21].

ويقول الإمام الصادق (ع): « الغناء يورث النفاق »[22].

فالروايات الشريفة تعكس حالة مرضية، وهي قسم من الأمراض السيكوباتية، حيث تشير إلى مؤشر مرضي في الشخصية وهي (القسوة)، وما تفرزه من أنماط عدوانية في السلوك بالغة الخطورة على صعيد الواقع الخارجي، وهي التي تسمى بالشخصية القاسية التي انتزعت منها الرحمة، أو على صعيد النفس وهو التذمر من كل شيء جميل في شخصيته.

2 ـ أسباب اجتماعية:

ولها عدة صور:

أ ـ الشره: ويقابلها مفردة (القناعة).

ينبذ التشريع الإسلامي حالة الشره الذي ليس له معيار عام، بل هو تابع للأبدان والأمزجة والأحوال، فالتشريع يطالب الإنسان بتحقيق الإشباع الحيوي، الذي يتم وفقاً لمتطلبات الحاجة بعيداً عن حالة الاستهلاك والفوضى في المجتمع، فإنّ الإشباع إذا تمّ وفقاً لما هو زائد على الحاجة فحينئذ يشكل مثل هذا الإشباع طابعاً مرضياً.

والشره ليس حالة شخصية بقدر ما هو صفة عامة قد تصبح ذات موازين شخصية، وهذا ما نلاحظه في التشريع الإلهي في باب الأطعمة، حيث يقول تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )[23]، وحيث إنّ الإنسان حريص بحكم طبيعته البشرية، يمكن أن يسيء استخدام هذين الأمرين إلى مزالق الإسراف والتبذير، حيث يمثل الإسراف كل إفراط في الكم والكيف.

وقد ورد على لسان أهل البيت (ع) نصائح مُثلى لتجنب مزالق الأمراض التي في هذا القسم:

يقول الرسول الأكرم (ص): « من تعوّد كثرة الطعام والشراب قسا قلبه »[24].

ويقول (ص): « لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإنّ القلوب تموت كالزرع إذا أكثر عليه الماء »[25].

ويقول الإمام الصادق (ع): « أقرب ما يكون العبد من الله إذا خفّ بطنه، وأبغض ما يكون العبد من الله إذا امتلأ بطنه »[26].

وأما الجانب الاجتماعي منه فهو ما وصل إليه مجتمعنا إلى فوضى المجتمعات الاستهلاكية، وسبب ذلك عائد إلى النتائج التي أفرزتها التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية الآتية من رياح الغرب، والتي انفتحت لها أبواب مجتمعنا، ونفخت لها أبواق العبودية المقنّعة.

ويشير عالم النفس الكبير أريك فروم عن هذه الحالة الفوضوية السائدة، فيقول: « ولا يكمن الخطر الذي يتهدد الدين في العالم، بل من التصرفات السائدة في الحياة اليومية. فهنا كفّ الإنسان عن البحث داخل نفسه عن الغرض الأسمى من الحياة، وجعل نفسه أداة تخدم الآلة الاقتصادية التي صنعتها يداه. فهو معنّي بالكفاءة والنجاح أكثر من عنايته بسعادته ونماء روحه، ولعل أخطر توجيه يهدد الموقف الديني على الأخص هو ما أسميته التوجيه السوقي للإنسان الحديث »[27].

يقول الرسول الأكرم (ص): « بئس العون على الدين: قلب نخيب[28]، وبطن رغيب »[29].

ب ـ كثرة الكلام:

لو افترضنا أنّ إنساناً يحمل مخزوناً علمياً، أو مهارة فنية لا شك أنّ محاولة إبراز هذا المخزون، أو هذه المهارة، سيحقق إمتاعاً نفسياً لحامله، وهو ما نسميه بـ (تأكيد الذات).

كذلك الكلام، فإنّه وسيلة علاجية للتفريج عن الأعماق.

غير أنّه لا اعتبار لهذا (التأكيد) في نظر المشرع الإسلامي، ما دام يحوم في إطار إبراز الذات، والذي يعكس بدوره تعبيراً مرضياً عن الشخصية، ولهذا نلاحظ أنّ هذا الإمتاع الشخصي لا يطفئ التوتر الشخصي في داخله، لأنّه لا يقرّ له قرار حتى يتم بالفعل تحقيق هدفه وهو إبراز مكانته، أو اقترانه بالتقدير من قبل الآخرين. وهذا من نوع البحث عن المال أو عن مركز اجتماعي، بحيث يظل الإنسان متوتراً يلهث أمام تحقيقه مما يعدم عنده حالة التوازن في داخله.

ولهذا يلمح الإمام علي بن الحسين (ع) إلى هذه النسبة بإشارة بعيدة حيث يجيب ـ عندما سئل عن الكلام والسكوت أيهما أفضل؟ ـ فقال: « لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت؛ لأنّ الله عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنّما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا تُوقّيت النار بالسكوت، إنّما ذلك كله بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنّك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت »[30].

كل ذلك إنما فرضت عبر موازين ومعايير دقيقة تبتني عليها الشخصية الإسلامية من السلامة والاستواء والاستقامة.

وعندما نتوغل في التوصيات الإلهية وما وجهته لنا من مبادئ في الصحة النفسية في هذا العنوان، نجد الكثير من هذه التوصيات، نذكر لكم بعضها:

يقول أمير المؤمنين (ع): « الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فربّ كلمة سلبت نعمة ولا تقل ما لا تعلم، فإنّ الله سبحانه قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة، هانت عليه نفسه من أمّر عليه لسانه، ومن كثر كلامه كثر خطأوه، ومن كثر خطأوه قلّ حياؤه، ومن قل حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار »[31].

فهذا المشوار الدقيق في التعبير الإسلامي بين كثرة الكلام وبين موت القلب والذي يمثل نزعة عدوانية انحرافية الناتج عن عدم إحساس الإنسان بمسؤوليته الشرعية والاجتماعية.

ج ـ كثرة النوم:

لا شك أنّ النوم من الحاجات الأساسية لدى الكائن البشري، بحيث يجسد حاجة أولية لا بدّ من إشباعها. تقول عالمة النفس لندا دافيدوف: « قد أجريت العديد من مثل هذه الدراسات رصد التأثيرات السلوكية لعدم النوم، بعد أن حرم عدد من المشتركين من النوم لعدة ليال، تعرضت نسبة قليلة من أفراد العينة ( أقل من 10% عموماً ) إلى حالة هلوسة، وهراء (آراء زائفة تخالف العقل). أما معظم أفراد العينة فردود أفعالهم أخف كثيراً: عدم الانتباه (فقدان تسلسل التفكير)، أخطاء في الإدراك، اضطراب مؤقت، حالة توهان وقلق .. ويؤدي الأفراد أعمالهم ببطء أكثر، ويحتاجون لوقت للاستجابة للمؤثرات..»[32].

ولا شك أنّ بعض الدوافع الحيوية يمكن تأجيل ممارستها كالجنس ـ مثلاً ـ دون أن يترتب على ذلك أي عوارض سيئة في الجسم أو العقل، بخلاف النوم والذي يحتاج الإنسان معه حداً أدنى من الإشباع، تتوقف حياة الكائن الآدمي عليه جسمياً ونفسياً وعقلياً.

بيد أنّ المنظور الإسلامي يظل يروي هذه النزعة الأصيلة بقدر الحاجة، وأما الزائد على الحاجة فيتحول إلى نتيجة مضادة تماماً .. تقول لندا دافيدوف في وصف مرحلة النوم الأكثر عمقاً بقولها: « وفي هذه المرحلة يحتمل الخروج عن المعتاد في النوم بما في ذلك المشي، أو التكلم أثناء النوم، وحدوث كوابيس، أو التبول في الفراش »[33].

فالنوم في المنظور الإسلامي ليس هروباً عن العمل، بل هو وسيلة للعمل العبادي في الأمة، فأي مسلم يريد لأمته الازدهار وهو هارب عنها إلى قضاياه الشخصية أو ترفه الفكري! ومن هنا إذا زاد النوم عند الإنسان تحول إلى ممارسة سلبية، وقد جاءت التوصيات الإسلامية تحذر من هذه الممارسة السلبية في أكثر من نص تشريعي:

يقول أمير المؤمنين (ع): « كثرة الأكل والنوم، يفسدان النفس، ويجلبان المضرة »[34].

يقول الإمام الصادق (ع): « كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا »[35].

ويقول الإمام الكاظم (ع): « إنّ الله عزّ وجلّ يبغض العبد النوّام الفارغ »[36].

نعم، إنّ كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا، لأنّه يختزل من فرص الحياة والآخرة من حيث توفر الإشباع، مما يوجب ذلك الضعف والكسل عن الطاعة والعبادة والنشاط، ويوجب ضياع الوقت والغفلة ونسيان الآخرة، وبمجرد فقدان الإنسان لأحاسيسه يكون قد فقد صلته الروحية بأمته الذي هو أحد أفراده.

وكأنّ هذا النوم يعكس ارتجاجاً في الشخصية، والتي أمسى الوقت بالنسبة إليها تمثل وحدة لا فوارق فيها، بعكس ما عليه الشرع الإسلامي وما أوصى به من أن يكون زمان النوم في الليل، فقد أرشد القرآن الكريم إلى الموقع الزمني للنوم في قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ )[37].

ولكن ليس عليه أن يمارس عملية النوم في كل الليل، بل للإنسان مع الليل صياغات أخرى كاستغلاله جزءاً من الليل في العبادة التي تقربه إلى الله عزّ وجلّ، ففي الرواية: « شرف الرجل قيامه بالليل ».

ومن هنا نلاحظ أنّ للقرآن رسماً لهذه الصياغة حيث يقول تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )[38]، أي أنّ شكل الزمان متنوع بحسب حاجة الإنسان، ومن ثم نفهم مراد الرواية: « إياك وكثرة النوم في الليل »[39]؛ لأنّ جزءاً منه خاضع لصياغة الإنسان مع ربه.

د ـ الثراء الفاحش:

الثروة بذاتها لا تشكل حاجة من حاجات الإنسان الأساسية، وإنّما هي وسيلة لحاجة ما، ونلاحظ المعاجم الاقتصادية تعرّف النقد بأنّ له ثلاث خصائص، كل واحدة منها تعبر عن وسيلة لشيء ما.

فالنقد في المصطلح الاقتصادي: وسيلة تسديد أو تبادل .. ووسيلة لقياس القيم المختلفة .. ووسيلة ذات قيمة محفوظة[40].

وعندما ندقق في الآيات القرآنية، نرى أنّ القرآن الكريم يومئ إلى ظاهرة المال من خلال التنديد به ولفت النظر إلى متاعه العابر، فيقول عزّ وجلّ في أكثر من آية قرآنية:

( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )[41].

( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا )[42].

( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ )[43].

( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[44].

( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا )[45].

ولكن هذه النظرة ليست نظرة مطلقة، فالشرع الإسلامي إنما ذمّ حالة، الثـراء الذي يكون في صـورة كنز الأموال كما في قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ )[46].

فإنّ أداء الزكاة يخرج المال عن صورة الكنز المحرم، حيث يقول الرسول الأكرم (ص): « كلّ مال يؤدّى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لا يؤدّى زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض »[47].

فالشرع الإسلامي جعل للمال قيمة أساسية إذا وظف بصورة سليمة، وفي القرآن الكريم عدة صياغات لأهمية المال وسياسة تعامل الشرع معه، حيث يقول الله تبارك وتعالى:

( مَثَـلُ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْـوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِـائَةُ حَبَّةٍ )[48].

( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى )[49].

( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )[50].

( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )[51].

( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )[52].

( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )[53].

فالمال عندما ننظر إليه نقول: إنّه ذو قيمة لنا، ولكن هل ننظر إلى قيمة المال قبال سلب صحتنا؟! لا يبقى قيمة للمال ما لم يقوّم مرضاً أو يشافي سقماً، ولهذا نلاحظ الشريف من الناس أو كريم النفس يتعامل مع المال إلى الحد الذي يكون معه شرفه وكرامته، وحين تُخدشان مقابل المال فإنّه يتنازل عن هذا المال مقابل شرفه وكرامته.

ولهذا يصف الإمام الصادق (ع) المال بأنّه عز للإنسان، ما دام المال وسيلة لتوفير حاجاته الأساسية.

ويرى أحد المتحذلقين الإمام الباقر (ع) في يوم صائف وقد تصبب عرقاً من العمل فابتدره قائلاً: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحالة في طلب الدنيا؟! أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال؟!

فقال الإمام (ع): « لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة من الله عزّ وجلّ، أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس »[54].

هنا يكون حرص التشريع على عزة الإنسان، وإكسابه التقدير الذاتي والاجتماعي بدلالتها العبادية، فيحثّه على توجيه دفة العمل مع ما تتناسب والشخصية الإسلامية السوية.

ولكن خطراً فاضحاً تراكم في مجتمعنا وهو ما يعرف بـ (بطالة الترف)، أو (البطر الاجتماعي) في العائلة والفرد والمجتمع.

« … فعلى مستوى العائلة والفرد هناك أطفال في السابعة أو دون ذلك من أعمارهم لديهم مربية وسائق وربما خادم يحمل حقيبة كتبه المدرسية الصغيرة. وموظف بسيط لم يتجاوز راتبه ستة آلاف ريال لديه سائق وخادم ومربية لطفلته أو طفله، وأنّه فخور بتصرفه هذا لأنّه وحسب اعتقاده قد رفع مكانته الاجتماعية في نظر الآخرين وانتقل من كونه موظفاً بسيطاً مضطهداً إلى سيد محترم مضطهد.

أو تكون حفلة غنائية من المناسبات (كالأعراس) يحصل المغني ـ ولو كان صوته نشازاً ـ على أجر ـ ولمدة لا تزيد على الساعتين فقط ـ مبلغاً يزيد على إجمالي راتب أستاذ جامعي لمدة شهور من العمل. فأي منهما المضطهَد والمضطهِد المغني النشاز أم الأستاذ الجامعي »[55].

فالثراء الفاحش واكتناز الأموال صورة من صور الإغراق في الملذات، حتى وإن كان الثراء الفاحش من حلال إلا أنّ ذلك إيحاء بكنز المال لأجل حب المال، وهذه الصورة تعكس عن وجود خلل عند أصحاب الثروات الفاحشة وعدم اهتمامهم بتحصيل الدين الصحيح.

يقول أمير المؤمنين (ع): « كثرة المال تفسد القلوب وتنسي الذنوب »[56].

ونحن نرى أنّ طبيعة أصحاب الثروات يبتعدون عن مصالح أمتهم، ومصالح المؤمنين، بل القليل منهم من يمد يد العون إلى الفقراء والمحتاجين، كما أنهم يقبضون على الأموال ولا يدفعون حقّ الله عزّ وجلّ المتعلق به.

هـ ـ إتيان باب السلطان وصيد اللهو:

يقول الرسول الأكرم (ص): « ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان »[57].

و ـ الجلوس مع المترفين:

يقول الرسول الأكرم (ص): « خمسة تقسي القلوب: ترادف الذنب على الذنب، ومجاورة الأحمق، وكثرة منافسة النساء، وطول ملازمة المنزل على سبيل الانفراد والوحدة، والجلوس مع الموتى».

قيل: وما الموتى؟

قال: « كل عبد مترف ميت، وكل من لا يعمل لآخرته فهو ميت ».

وفي موطن آخر يقول الرسول الأكرم (ص): « إياكم ومجالسة الموتى ».

قيل: يا رسول الله، ومن الموتى؟!

قال (ص): « الأغنياء ».

أي الذين ما أصابوا الثروات، ولا ملكوا الكنوز ومتاع الدنيا، إلا باتباعهم طرق الفساد، من كذب، واحتكار، وربح فاحش، وبيع للقيم، وتضييع حقوق الناس، أو بميلهم إلى أسباب الضلال، فكأنّ نفوسهم قد أقفرت من روح الإيمان، وغشيتها ظلمة الشهوات.

ز ـ الاعتزال:

لا يشك أمرؤ أنّ الانعزال والانفراد ممارسة غير صحية، بل ممارسة غير طبيعية، فإنّ الناس بحاجة إلى الناس، والإنسان بطبيعته اجتماعي مدني.

ولقد قامت عالمة النفس الاجتماعية باتريشيا بسؤال طلبة الجامعة عن موضوع وهو: أي ظروف أخرى يبحث الناس عن الاتصال البشري؟ فالكثير من الطلاب أعلنوا عن احتياجهم إلى أن يكونوا على مقربة من الآخرين حينما يكونوا سعداء أو في حالة نفسية طيبة، وكذلك حينما يكونوا بصدد مواجهة موقف غير مألوف أو شعور بالذنب أو حينما ينتابهم القلق بخصوص مشكلات شخصية خطيرة...[58]

وقد أشار الرسول الأكرم (ص) ـ في الحديث السابق ـ في قوله: « وطول ملازمة المنزل على سبيل الانفراد والوحدة » إلى أنّ أحد أسباب قسوة القلب الانعزال والانفراد.

ح ـ الغفلة:

يقول الإمام الباقر (ع): « إياك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب »[59].

يقرر العلماء بأنّ الغفلة إحدى روافد النسيان، فالنسيان له ثلاث مراتب وهي:

1 ـ النسيان الذي يطرأ في الذهن على الأحداث وأسماء الأشخاص والمعلومات المختلفة التي اكتسبها الإنسان من قبل، وهو النسيان العادي الذي يتعرض له الناس نتيجة تزاحم المعلومات وتداخلها، وقد أشار القرآن الكريم إليه في قوله تعالى: ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)[60].

2 ـ النسيان الذي ينطوي على معنى السهو، كما ينسى الإنسان شيئاً في مكان ما، أو كما يريد أن يتكلم مع شخص ما في عدة أمور فيتكلم عن بعضها وينسى البعض الآخر فلا يذكره إلا فيما بعد، ومنه قوله تعالى ـ على لسان موسى (ع) ـ: ( قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ )[61].

3 ـ النسيان بمعنى ذهاب الاهتمام بأمر ما وهو الذي عنته الروايات بـ ( الغفلة )، بحيث يكون في قلبه فتور عن عهد الله عزّ وجلّ، ومن أمثلة هذا النوع ما جاء في قوله تعالى: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )[62].

ولا شك أنّ الغفلة في مثل هذه المقامات هو طغيان محبوب لا يناسب تزاحمه مع علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، فإنّ المؤمن ينبغي أن لا تتزاحم رغباته وأمانيه وهواه في قلبه لأنّه يعرف أنّه لا يمكن اجتمـاع محبتين وشوقين في قلب واحـد، وقد قال تعالى: ( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )[63]، فهل يرضى الإنسان أن يُنافق عليه من قبل الآخرين ؟! فكيف يقبل حينئذ أن يكون منافقاً مع الله، وأين واقع التسليم لله.

ووسيلة الشيطان في إغواء البشر ودفعهم إلى نسيان ذكر الله ونسيان ما فيه صلاحهم هو التأثير عليهم من ناحية دوافعهم وشهواتهم، وهي نقطة الضعف في الطبيعة الإنسانية.

فالإنسان أمام خطين في أحدهما التسامي والتكامل، وفي الآخر التلوثات والتسافل.

فالإنسان إذا كان ناسياً لله تعالى فإنّه يكون ناسياً لمسؤوليته المعنوية مائلاً إلى العصيان متبعاً للأهواء والغرائز ولا يبالي بواجباته الإنسانية، وأما إذا كان ذاكراً لله عزّ وجلّ فإنّه يتنبه إلى مسؤوليته المعنوية ملتزماً لأوامر الله في قوله وفعله.

ومن هنا حرص أهل البيت (ع) على معالجة الغفلة بذكر الله مصداقاً لكثير من الآيات الشريفة في ذلك:

( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ )[64].

( اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا )[65].

وفي المروي عن الإمام الصادق (ع): « من كان ذاكراً لله على الحقيقة فهو مطيع، ومن كان غافلاً عنه فهو عاص. والطاعة علامة الهداية، والمعصية علامة الضلالة، وأصلهما من الذكر والغفلة »[66].

ولكن بشرط أن لا يكون الذكر مجرد حالة طارئة في حياة البشر، فيما يمارسه من صلاة معينة أو ذكر واجب أو مستحب، بل يكون حالة مستمرة يستشعرها الإنسان في قلبه وفي لسانه حتى يكون حضور الله في قلبه الحضور الحي.

نعم، قد ينتاب الإنسان في بعض الحالات نوع من وسوسة الإثم والأوهام الشيطانية بسبب تحريك الغرائز والميول الباطنية، إلا أنّ المؤمن الذي لم ينسَ مسؤوليته فإنّه يلجأ في أمثال هذه اللحظات المضلة إلى قوة الإيمان وذكر الله لطرد تلك الوساوس.

يقول الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)[67].

وكل ما ذكرناه من هذه الأسباب ـ وأسباب أخرى لم نأتِ عليها ـ تعدّ حجاباً يقع على القلب فتنحرف به عن الحقيقة الناصعة، وتوجب القسوة فيه بحيث يستوجب التعثر في الطريق الصحيح، ولا شك أننا نسير ونتذكر ما احتطبناه من قذارات معنوية، حطّمت فينا جمال الروح وجمال المعنى، وحطّمت فينا التقيد بذكر الله .. إننا لم نُخلق إلا وفي أيدينا قيد يجرنا إلى الطهارة والفطرة.

ولذا علينا أن نحذر أن يكون الله مجرد اسم في الذاكرة، وأن يتحول الإسلام إلى مجرد خاطرة في الذهن، لا موقع لعمقه في نفوسنا فنكون كما قال تعالى واصفاً اليهود والنصارى: ( وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )[68]، حيث تحوّل الكتاب عندهم إلى عنوان لا يحمل في داخل قلوبهم شيئاً من معانيه، وتحول الدين إلى انتماء فارغ من الروح لا يؤكد خطه في الحياة الفكرية والعملية لهم، فابتعدوا عن حيوية الرسالة وروحانيتها، وفقدوا الخشوع لذكر الله، فلم يبكوا خوفاً من عقابه، ولم يخضعوا رجاءً لثوابه، ولم يرجعوا إليه، أو يجلسوا بين يديه في شكوى العبد لسيده عندما تحلّ به المشاكل، أو تحاصرهم الأزمات، أو يشتد بهم الحرمان .. وهكذا ابتعدوا عن الله بالفكر والروح والحركة، فانحرفوا عن الخط المستقيم، وتمردوا على أوامره ونواهيه.

ومن هذا الموقع علينا أن نتبصر بالخطوات العملية لأئمتنا الكرام في ذكرهم لله، وحبهم له، والدعوة إلى سبيله وليس أروع استبصاراً من أن نلمّ بحقيقة مناجاة الأئمة مع الله في أدعيتهم، لأنّ الدعاء يمثل حالة الكشف الوجداني الرائع مع الخالق، وليس أروع من أن تكون النجوى بينك وبين الله فقط.

فالإمام زين العابدين (ع) يتململ في أسحاره، ويناجي ربه بهذا الدعاء العميق فيقول: « فمن يكون أسوء حالاً مني إن أنا نقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي، ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي، ومالي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت، فمالي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي إذ الخلائق في شأن غير شأني ».

إنّها صورة الموت التي يغفل الإنسان عنها دائماً، والتي أوصانا رسول الله (ص) أن نتذكرها لأنّ فيها علاجاً لهذه القسوة وعلاجاً للرغائب التي نحتطبها في هذه الدنيا، وتبعدنا عن ذكر الله عزّ وجلّ.

يقول الإمام الصادق (ع): « ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقلع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع »[69].

إلهي: « ارحم في هذه الدنيا غربتي، وعند الموت كربتي، وفي القبر وحدتي، وفي اللحد وحشتي، وإذا نشرت للحساب بين يديك ذل موقفي، واغفر لي ما خفي على الآدميين من عملي، وأدم لي ما به سترتني، وارحمني صريعاً على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وتفضل عليّ ممدوداً على المغتسل يقلبني صالح جيرتي .. ».


 

 

       BACK TO CONTENTS                                                                                                                                         SEND A  COMMENT

 

 

Resource : http://www.qateefiat.com/article/31.htm


(1) البقرة: 74.

(2) الزمر: 22.

(3) القلب السليم: ج 2 ص 33.

(4) القلب السليم: ج 2 ص 34.

(5) ميزان الحكمة: ج 8 ص 310.

(6) ميزان الحكمة: ج 8 ص 311.

(7) السيكوباتي: هي شخصية الفرد الذي يعاني من انعدام الاستقرار العاطفي إلى درجة تقترب من الحالة المرضية، لكنها لا تنم عن خلل عقلي محدد أو متميز، بل يقصر صاحبها عن تحقيق التوافق مع محيطه الذي يعيش فيه. والسيكوباتي مصاب بالفجاجة العاطفية وعدم النضج الأخلاقي، قليل التبصر في عواقب الأمور، عصبي المزاج وسريع الغضب والانفعال. (موسوعة علم النفس، الدكتور أسعد رزوق: ص 148.

(8) الخصال، الصدوق: ص 588.

(9) راجع المدرسة الإسلامية، للشهيد الصدر: ص 77.

(10) ميزان الحكمة: ج 1 ص 129.

(11) بحار الأنوار: ج 74 ص 162

(12) البقرة: 38.

(13) علم النفي الإسلامي، الدكتور عدنان الشريف: ص 184.

(14) البقرة: 10.

(15) الأحزاب: 32.

(16) بحار الأنوار: ج 74 ص 88.

(17) بحار الأنوار: ج 70 ص 354.

(18) المطففين: 14.

(19) بحار الأنوار: ج 70 ص 332.

(20) بحار الأنوار: ج 72 ص 370.

(21) بحار الأنوار: ج 76 ص 252.

(22) بحار الأنوار: ج 76 ص 241.

(23) الأعراف: 31.

(24) مستدرك الوسائل: ج 16 ص 213.

(25) مستدرك الوسائل: ج 16 ص 209.

(26) الوسائل: ج 24 ص 239.

(27) الدين والتحليل النفسي: ص 92.

(28) أي الجبان.

(29) مستدرك الوسائل: ج 16 ص 209.

(30) بحار الأنوار: ج 68 ص 274.

(31) بحار الأنوار: ج 68 ص 286.

(32) مدخل علم النفس: ص 304.

(33) مدخل علم النفس: ص 303.

(34) مستدرك الوسائل: ج 16 ص 214.

(35) ميزان الحكمة: ج 10 ص 260.

(36) ميزان الحكمة: ج 10 ص 260.

(37) الأنعام: 60.

(38) الروم: 23.

(39) ميزان الحكمة: ج 10 ص 260.

(40) القاموس الاقتصادي، الدكتور محمد علية: ص 455.

(41) الكهف: 46.

(42) الفجر: 20.

(43) الهمزة: 1 ـ 2.

(44) الأنفال: 28.

(45) التوبة: 85.

(46) التوبة: 34 ـ 35.

(47) بحار الأنوار: ج 73 ص 139.

(48) البقرة: 261.

(49) الليل: 18.

(50) التوبة: 103.

(51) التوبة: 20.

(52) الذاريات: 19.

(53) التوبة: 111.

(54) بحار الأنوار: ج 46 ص 350.

(55) المجتمع الاستهلاكي، الدكتور خضير المهر: ص 131.

(56) ميزان الحكمة: ج 9 ص 283.

(57) بحار الأنوار: ج 72 ص 370.

(58) مدخل علم النفس: ص 746.

(59) ميزان الحكمة: ج 7 ص 267.

(60) الأعلى: 6.

(61) الكهف: 73.

(62) الحشر: 19.

(63) الأحزاب: 4.

(64) الكهف: 24.

(65) الأحزاب: 41.

(66) مصباح الشريعة: ص 5.

(67) الأعراف: 201.  

(68) الحديد: 16.

(69) بحار الأنوار: ج 6 ص 133.